الومضة الأولى - [1]

من عمل: رواية حبس انفرادي كاملة

الأربـعـــاء 9/8/2023م

شاليه عجيب على البحر مباشرةً بالقرب من هضبة «عجيبة» بمطروح؛ لا يفصله عن البحر سوى بضعة أمتار حتى لتكادُ الأمواج تلطم بابه الحديدي؛ شاليه يعاني من الوحدة والانعزال بعض الشيء، فلا يوجد إلى جواره سوى بضع شاليهات تحت الإنشاء.

وقفوا أمامه يتأملونه؛ مجموعةٌ من الشباب في نهاية العقد الثالث من أعمارهم؛ كانوا صحبةً في الجامعة، تقاذفتهم أمواج الحياة وفرقتهم الأيام ثم عاودوا التواصل مع بعضهم البعض، وكان لمواقع التفاعل الاجتماعي الجديدة الفضل في ذلك. قرروا قضاء بعض أيام صيفهم في شرم الشيخ؛ إلا أن أحدهم أصرّ على أن يستبدلوها بمطروح؛ فكرةٌ لاقت قبولاً من الجميع خصوصًا بعد أن شوّقهم لزيارة متحف رومل، وحمام كليوباترا! ووعدهم بزيارة متحف العلمين.

مياه زرقاء صافية وهدوء شديد، لن يُـزعجهم أحد في هذا المكان بالتأكيد؛ إنها الطمأنينة النفسية التي يبحثون عنها؛ ورغم ذلك فإن منظر الشاليه من الخارج يبُثّ في نفس الناظر إليه رهبةً لا يدري لها سبباً محدداً؛ ولكن ربّما شكله الهرمي الغريب هو السبب؛ أو ربما الحجارة التي بُنِيَ منها، والتي اتخذت أشكالاً غريبة؛ فحجرٌ يتلوّى على شكلِ ثعبان، وحجرٌ يوشك أن يـفـرّ هارباً كفأرٍ مذعور، وحجرٌ كأسـدٍ فاغـر فاه كأنه يوشك أن يلتهمهم!

هذه الأحجار الغريبة لفتت انتباه «إبــراهـيـم» أكثر من الآخرين؛ فهو بطبعه مدقق، وقد اشتعل الخوف فيه، ولكنّه أضمره في نفسه، ولم يُبده لرفقائه؛ فهو لا يمكن أن يظهر بمظهر الخائف مطلقاً؛ فكيف يخاف وهو يؤمن بأن الخوف صنعه الإنسان؟ وكما يقول دائماً «الخوف أكبر مقلب تاريخي عمله الإنسان في نفسه.» فكيف يخاف إذن وهو لا يؤمن بالخوف؟ بل لا يؤمن بشيء على الإطلاق، أو بمعنى آخر يؤمن باللاشيء!

أصدقاؤه يصفونه بأنه «ملحد» وهو الوصف الذي لا يروقه؛ ولكنّهُ اعتاده على أي حال.

نَفض إبــراهـيـم الخوف من رأسه، وابتسم للأسـد الموشك على ابتلاعه وهو يدخل الشاليه حاملاً بعض الحقائب.

الشاليه من طابقين؛ ثلاثة غرف بالأسفل، واثنان بالأعلى.

أنـهـوا إدخال حقائبهم ومتعلقاتهم واحداً تلو الآخر، وأخـذ إبراهيم ووائل يتجولان في الشاليه، وظهرا كأنهما يقارنان بينه في حقيقته وبين الصور التي شاهدوها على الانترنت قبل أن ينجحوا في حجزه بصعوبة، وبدا عدم الرضا والتوجس على وجوههم؛ بينما جلس نادر ومحمود ويوسف يتبادلون أطراف الحديث في الصالون الموجود بالطابق السفلي.

صعد وائل إلى الطابق العلوى، بينما وجد إبراهيمُ باباً موصداً في آخر الطابق السفلي من الناحية العكسية لباب الشاليه الرئيسي الذي دخلوا منه والمطل على البحر مباشرة، وفي وسط هذا الباب يوجد مقبض على شكل أسد مـصـغـر للأسد الذي رآه في واجهة الشاليه، لونه ذهبي وعيناه لامعتان؛ دفعه فضولُه إلى محاولة فتح هذا الباب، حاول أكثر من مــرةٍ دون جدوى إلى أن أصابه الملل فقرع الباب بيده في إحباط ويأس، أهاجت ضرباتُ يده المتتالية على الباب الكثير من الغبار الذي يبدو متراكماً منذ مدة طويلة، نفض الغبار من يـده كأنه يصفق، عاود الطرق مجدداً وكأنه يلهو، فبدأ الباب ينفتح من تلقاء نفسه.

وقف إبراهيمُ مذهولاً مما جرى، وفي لحظة إقلاع الباب الأولى أصدرت مفصلاته أنيناً، وقع في أذن إبراهيم كصوت السكين حين يتم حدُّ شفرته، شكّ إبراهيم إنْ كان الصوت صادراً عن الباب أم من الداخل، توهّم إبراهيم أن هناك من يحدُّ شفرة سكينٍ بالداخل، انتابه خوفٌ شديد؛ وتساءل في نفسه:

«ألسنا وحدنا في هذا الشاليه؟ فمن وراء هذا الباب؟!»

كان إبراهيم يُحلّل كــلّ كبيرةٍ وصغيرة، ولا يترك شيئا يمرُّ عليه دون أن يضع عليه بصمته الفكرية.

تقافزت مقلتاه تلهفاً لرؤية ما وراء الباب، حال الظلام الشديد دون ذلك، شرع إبراهيم في التغلب على خوفه، وبدأ يدخل من الباب، وما إن وضع قدمه اليسرى وراء الباب حتى أحسّ بفراغٍ كبير، وبدا له أن ما وراء الباب هوةٌ سحيقة، وخُيّل إليه أنه إن دخل فسيسقط من مكان مرتفع؛ ولكنه تساءل في نفسه:

«أين سأسقط؟ نحن في شاليه، أقصى ما يمكن أن يوجد هنا حفرة.»

ثم ابتسم ساخراً وهو يحدّث نفسه:

«ربما تكون حفرة لدفن الموتى؛ هذا بافتراض أن الشاليه ما هو إلا وكر مجرمين يشبهون إلى حـدٍ كبير أسطورة ريّا وسكينة؛ يستدرجون ضحاياهم بالحجز لهم فيه، ثم بعدها يقتلونهم ويسلبون منهم أشياءهم الثمينة! ولكنّنا لا نملك ذلك الشئ الثمين الذي يصلح أن يكون مطمعاً لأحد؛ ربما حفرة حفرها أحد المهووسين بالبحث عن الآثار أسفل بيوتهم، وأغلبهم يموتون داخل هذه الحفر بعد أن ينهار عليهم البناء بأسره، كأنه يعلن غضبه مما يفعلون.»

ابتسم متعجباً:

«آثار على شاطئ البحر!»

شجّع نفسه ودخل فجأة إلى هذا المكان، وبدلاً من أن يسقط كما كان يظن، أحسّ بأنه يطير في الهواء، أو يسبح، وليس حوله سوى فراغٍ مظلم، حاول أن يمشي فوجد قدميه معطلتين، أو لا تقويان على حمله، ثم اكتشف أنه لم يعد بحاجة لقدميه بعد الآن؛ فلقد استطاع أن يتحرك في هذا المكان بدونهما، وكأنه طافٍ على سطح الماء، ولكن دون ماء، ولا نور؛ إنما في ظلامٍ دامس.

أحس بخفّته وقدرته على الحركة بطريقة سلسة، والانتقال من مكان لآخر دون بذل جهـد أو استنزاف طاقة، بـدأ يستكشف المكان من حوله، فوجئ حين وجـد نجمةً من تلك النجوم التي كان يراها في السماء تمرّ بجواره؛ بل وجد نفسه في السماء نفسها بكل تفاصيلها؛ القمر أسفل منه، وكواكب المجموعة الشمسية كاملة تحيط به، بل بدأ يصعد للأعلى حتى خرج من مجـرّة درب التبانة في لمحٍ البصر.

تضاربت مشاعرُه؛ سكينة وسلام، خوف وترقب، طمأنينة وهدوء، ينازعهما قلق جسيم، تذكر بعض خبراته ومعلوماته السابقة فأدرك أنه بمفهوم الأرض ربما يُطلق عليه الآن لقب ميّت، ولكن هل هذا حقاً هو الموت؟ هل سقط في حفرة عميقة أردته قتيلاً في الحال؟! أم أن ذلك المجهول الذي كان يحد شفرة سكينه هو السبب؟! إنه يشعر بكل شيء، فكل شيء حقيقي أكثر من الحقيقة ذاتها؛ هو على يقين من أنه في السماء، ولكنه ليس متيقناً إن كان حياً أم ميتاً؟!