الومضة الأولى - [3]

من عمل: رواية حبس انفرادي كاملة

كان كلّ هذا يجري بينما نادر ومحمود ويوسف ما يزالون جالسين في صالون الطابق السفلي، لم يشعروا بشيءٍ مما حدث، فلقد دبّت خلافات كثيرة في الرأي فيما بينهم، ويبدو أن عدم تواصلهم مع بعضهم البعض لسنوات قد أخفى عنهم بعض التغيرات التي طرأت على أفكار كل منهم، وهو ما سبب اصطداماً واحتداماً للصراع الفكري والجدلي بينهما، فجلسوا منهمكين في نقاشٍ ساخن أنهاه يوسف بقوله:

«لم نأت إلى هنا لنتجادل ونتناحر، دعوا عنكم كل هذا واستمتعوا بأوقاتكم، دعونا نلهو قليلا ونفــرغ رؤوسنا مما فيها.»

أجابه محمود:

«ألا تسمع يا يوسف ما يقول؟ إنه ينكر وجود الجن!»

احتدّ نادر وبدا كأنّه يقفز من مكانه وهو يقول في عصبية:

«لم أنكر وجود الجن يا محمود من فضلك.»

ثم أضاف بعد أن ارتسمت ابتسامة هازئة على شفتيه:

«أنا أنكر وجود كلّ ما لم أره، كلّ ما ألم أسمعه، ما لم ألمسه، ما لم أحسه، أو أتذوقه، أو أشمه؛ أنكر وجود كل ما لا وجود له.»

كاد محمود أن يتطاير من مقعده كأنّه حممُ بركانٍ ثائر، ثم تمالك نفسه ونظر ليوسف في عتاب وهو يقول له:

«أرأيت؟!»

ثم أضاف وهو ينظر لنادر من طرف خفي:

«إنه ينكر كل شيء يا يوسف! لم يبق إلا أن ينكر وجودي ووجودك!!»

قالها محمود وضحك وظنّ أن يوسف سيشاركه الضحك؛ فهو يعلم تماماً أن يوسف يشاركه الرأي وينكر على نادر ما يقول؛ ولكنّ يوسف تفكر ملياً ووضع يده اليمنى أسفل ذقنه ونظر لأعلى ناحية اليسار ثم قال:

«عموماً يا محمود هذا أمر يحتاج بحثاً وتدقيقاً.»

ذُهل محمود من ردة فعل يوسف، وامتقع وجهه كأنه قد خُذل؛ بينما انتشى نادر بما قاله يوسف، وفكّر في نفسه أن الحُجج التي ساقها طوال حديثهم لا بد أنها أقنعت يوسف أو على الأقل أثارت بداخله الشكوك، ويرى نادر أن إثارة الشكوك تقود إلى الحقيقة.

أطرق محمود إلى الأرض في حزن؛ حاول يوسف أن يخرج بهم من هذا الجوّ المتوتر فاقترح أن يخرجوا ليجلسوا أمام البحر؛ ربما تهدأ أعصابهم قليلاً، استجاب نادر ونهض على الفور فقد أصبح مرتاحاً ليوسف، بينما بقي محمود في مقعده منكمشاً على نفسه وقال:

«سألحق بكما.. أو ربما أنام قليلاً.»

فقال له نادر متودداً:

«حاول أن تلحق بنا، ولا تغضب مني يا صديقي فهذا هو أسلوبي في الحوار، لكني لا أقصد أن أسخر منك.»

حرّك محمود رأسه متفهماً.

مضى نادر ويوسف إلى الخارج، فتبعتهم نظرةٌ من محمود مِلؤُها الأسى، وظل جالساً يفكر في الحوار الذي جرى بينه وبين نادر، وراح يعيد كل العبارات التي قيلت منه أو من نادر، شعـر بعدم الرضا عن بعض العبارات التي قالها، فأحسّ بوخز في ضميره تسارعت معه ضربات قلبه رغم أنه لم يبرح مكانه؛ أخذ يُعدّل – في مخيلته- هذه العبارة ويحذف تلك، كان يظنّ أنه قادرٌ على الجدال والمناظرة والإقناع، خاب ظنّه عندما أبدى يوسف رأيه متحيزاً لنادر، أيقن أن نادر قد تغلب عليه في هذه المناظرة، أصابه يأس شديد؛ فقد كان يعتبر نفسه مالكاً للحقيقة، مدافعاً عنها، والآن عجز عن الدفاع عن هذه الحقيقة، وعجز عن جذب يوسف إلى جانبه، رغم أنه مؤمنٌ مثله، وقد خشي محمود أن هزيمته تكون قد تسببت في زعزعة إيمان يوسف.

رفع محمود رأسه ليستنشق بعض الهواء علّه يهدأ قليلاً ويستطيع اللحاق بهما في الخارج؛ أخذ نفساً عميقاً للغاية حتى كادت رئتاه أن تنفجران من كمية الهواء التي دخلت إليهما على غير العادة، ضغط على شفته السفلى بأسنانه حانقاً، ثم نهض واقفاً في تحدٍ وقرّر الذهاب إلى نادر ومواصلة الحوار، لم يكد يتحرك من مكانه حتى لفت انتباهه شيءٌ صغيرٌ جداً مـرّ من أمامه كلمح البرق دون أن يتمكن من تـبَـيُّـن كُنهه، اتسعت حدقتا عينيه للحظة أملاً في التقاط صورته، فلم يستطع سوى أن يحدد الاتجاه الذي ذهب منه هذا الشيء الصغير، فقرر أن يتبعه؛ فتحرك باتجاه الناحية اليمنى من الشاليه حيث يوجد المطبخ والحمام، قطع الممر الموصل إليهما بحركةٍ سريعة في ثوانٍ معدودة.

قـرّر البدء بالبحث في المطبخ، قلب المطبخ رأساً على عقب ولم يعثر على شيء، خلّف وراءه الأواني مُلقاةً على الأرض محدثةً أصواتاً وجلبةً كأنهنّ يتعاركن.

انتقل إلى الحمام وتفحّص كل ركن فيه، فلم يصل لشيء، فاطمأن قليلاً.

همّ بمغادرة الحمام وهو يحرّك رأسه متعجباً وقد ارتفع حاجباه تلقائياً، وجعل يردد في نفسه:

«أين هو هذا الشيء؟! أنا أكره الحشرات الصغيرة والحيوانات الصغيرة وكل ما هو صغير بذيل أو جناحين، هذه الفوبيا الملازمة لي من الصغر.»

لم تكد قدمه اليمنى تفارق عتبة باب الحمام، حتى سنحت منه التفاتة ناحية الباب، فوقف مصدوماً ولم يتزحزح كأنّ قدماه قد التصقتا بالأرض بغراء، فاستدار بوجهه دون بقية جسده، وأمعن النظر في باب الحمام الخشبي ذي النقوش الغريبة التي تشبه حساب المثلثات، وكأن أحداَ كان يذاكر للتوّ على هذا الباب الذي كان مفتوحاً ومسنوداً على حائط الحمام الداخلي.

شَخصَ بصرُه، وثـُبّـتـت عيناه على الباب رغماً عنه، وتمتم في هلعٍ بصوت متحشرج غير مسموعٍ ودون أن يخرج من جوفه حرف واحد من مخرجه الصحيح:

«لـــقــــد وجــــــدتُـــه!»

كان ينبغي أن يكون سعيداً لأنه وجد ما كان يبحث عنه؛ ذلك الشيء الصغير؛ ولكن على عكس المتوقع غــزا الفزعُ والألمُ وجهه.

فـــأرٌ مـــذعـــورٌ يــبــدو كأنه يـلــوذ بــالـفــرار.

ليست صورةً مرسومةً على باب الحمام، ولا نقشاً محفوراً فيه؛ إنه حقيقي بكل ما تحمل الكلمة من معنى، يبدو كجزءٍ من تصميم الباب، ورغم ذلك فإن لونه رمادي بينما لون الباب بُني، طولُه لا يتعدى خمسة عشر سنتيمتراً، وأغلب هذا الطول موجود في ذيله الرفيع، الذي يبدو كأنه ســوط.

ظــلّ محمود واقفاً لا يستطيع الحركة؛ جسدُه متجه تجاه الممر الواقع خارج الحمام، ورأسه موجه للوراء، وعيناه شاخصتان ناحية الباب، وعقله عاجز عن صياغة جملة واحدة أو حتى كلمة، ولسانه فاقد للقدرة على النطق، وشفتاه ترتعشان.

تـمــــــدّد ذيـــلُ هذا الفأر المذعور.

فارق مكانه بالباب.

ضربة سوطٍ قوية!

التفّ حول رقبة محمود.

اختنق.. احتقن وجهه.. وجحظت عيناه.