الومضة الثالثة - [2]
بـدأ هو وهالة في التحرُّك من مكانهما في الصالة باتجاه الباب الخلفي مرة أخرى، نظرا سوياً لمقبض الباب الذي أعلن العصيان من قبل رافضاً دخولهما، لم يُتعب نفسه كثيرا في تكرار المحاولات السابقة وإنما توجه للمطبخ وجلب بعض المعدات الثقيلة!!! سكينا ومفكا!!!!
ظل يحاول فتح الباب بشتى الطرق وقال وهو يلهث من التعب:
«هذا الباب يمكن فتحه أما الآخر فلم يكن هناك من داعٍ لمباراة المصارعة التي لعبتيها معه.»
ضحكت من دعابته فأشار لباب الشاليه وواصل قائلا:
«فمثل ذلك الباب الحديدي إن لم ينفتح من تلقاء نفسه ويسمح لنا بالخروج عن اقتناع فلن يغير رأيه تحت وطأة ضرباتك القوية، أما هذا الباب الخشبي فيمكن أن يرضخ للضغوط.»
نطق الكلمة الأخيرة بقوة وعنف وهو يضغط بالمفك على لسان الباب حتى استطاع تحريكه بصعوبة فانفتح الباب وارتمى هو على الأرض يلتقط أنفاسه بصعوبة قائلاً:
«أخيراً قطعت الحبل الأول.»
نهض وبدأ يفتح الباب فأصدرت مفصلاته أنيناً كأنين طفل رضيع مثل الذي سبق لهما سماعه تماماً؛ خُيّل إليهما أنهما يسمعان صوت سكين يتم حد شفرته.. فُتح الباب على مصراعيه.. وقفا مصدومين.
بعد برهة من التقاط أنفاسه تقدم حاتم خطوة للأمام وتأهّب للدخول وهو ينظر في عينيْ هالة؛ ظهره لها ورقبته ملتوية للوراء وعيناه مثبتتان في عينيها، ثم وضع قدمه اليمنى بالداخل فتأرجح وهوى جسده ناحية الأمام واختل توازنه تماماً؛ كاد يسقط لولا يد هالة التي جذبته بسرعة وقوة فاعتدل واقفاً مذهولاً وهالة مرتعبة من خوفها عليه.
دارت تساؤلات كثيرة برأسيهما عن حقيقة ما وراء هذا الباب؛ إنه بات متأكداً الآن من أن وراءه فراغ؛ ولكن كيف هذا؟ ولماذا؟
قطع ذهولهما صوتُ هالة المملوء بالدهشة وهي تشير إلى الحفرة:
«حاتم! انظر.»
كان حاتم ما يزال واقعاً تحت تأثير صدمة السقوط الوشيك؛ يفكر في الاحتمالات التي كانت من الممكن أن تحدث له؛ ربما أصيب إصابة بالغة وربما قُضي عليه في هذه الحفرة العميقة؛ وقف ينظر إليها بتفحص؛ حفرة عمقها يتجاوز الستة أمتار تقريباً، معتمة لا يكاد يرى فيها شيئاً لولا أن بعض الضوء الذي يأتي من الصالون من خلفه تسرب من بين قدميه ومن حوله على استحياء ليكشف بعض أجزاء من هذه الحفرة؛ سأل نفسه: «هل هذه مقبرة؟ أثرية؟ فرعونية؟ يونانية؟ حديثة؟»
ساورته الشكوك لكن خالجه يقين واحد هو أن هذه الحفرة ما هي إلا مقبرة أيا كان تاريخها؛ إن هالة محقة تماماً فيما قالت؛ هذه الحفرة في هذا المكان الغريب لا تدل إلا على أن أحدهم كان يحفرها حتى وقت قريب، ولكن لماذا توقف عن ذلك؟ ولماذا سمح لنا بحجز الشاليه؟ لا يوجد تفسير واحد مقنع غير الذي توقعته هالة.
«لقد اتضح الأمر إذن؛ أنا هنا بفعل فاعل كما قلتِ.»
«أتمنى أن أكون مخطئة.»
كأنها كانت تتوقع وتضع الاحتمالات لا لتحدث هذه الاحتمالات والتوقعات وإنما لتوجد أمــلاً يمشيان وراءه ربما ينجحان في الخروج من هذا المكان الموحش؛ ولكنها في الوقت نفسه لم تكن تتمنى أن يكون توقعها صحيحاً؛ لأنّ صدق توقعها يعني أن فرص نجاتهما تتضاءل إن كانت هناك فرص للنجاة بالأساس.
بدت حزينة محبطة وهي تفكر في حالهما وما يجري لهما وتحدث نفسها بأسىً:
«إنه شيء غريب؛ يوم أن نقرر قضاء شهر عسل نرفه فيه عن أنفسنا قليلاً ونهرب من صخب الحياة وأزماتها، نصطدم بأزمة أكبر من كل أزماتنا؛ ونحتجز في مكان غامض مغلق من كل جانب! الآن أتمنى لو بقينا أحراراً في مكاننا هناك؛ حيث مشاكل الحياة اليومية التي لطالما تبرمت منها.»
لم يُضع حاتم وقتاً كثيراً في تفحص المكان وتأمله؛ بل انحنى يبحث عن شيء يستطيع استخدامه في النزول إلى قاع هذه الحفرة؛ وأخيرا وجد ما يبحث عنه؛ حبل سميك مربوط في وتد حديدي مثبت في الجدار، ولمح عدة أحجار بارزة في جانب الحفرة وراء المكان المثبت فيه الحبل مباشرة، تساعد على النزول؛ اعتقد أن هذه الأحجار ربما تكون قد وضعت بمعرفة من حفر هذه الحفرة من قبل لولا أنه دقق النظر فيها فاتضح له أنها تتخذ أشكالا متعددة؛ فالحجر الأول منها على شكل أسد والذي يليه فيه التواءات ونتوءات وينتهي برأس ثعبان، والأسفل منهما على شكل فأر؛ وهكذا تتكرر الحجارة بالأشكال ذاتها والترتيب نفسه حتى قاع الحفرة... أصبح متأكدا أن هذه الأحجار لم توضع بمعرفة من حفر الحفرة، وإنما ربما كانت هي سبب قيامه بالحفر أصلا، وربما هي التي أغرته بأن نهايتها تؤدي إلى غرفة ملكية مليئة بالمومياوات والذهب.
«سأحفر هنا وليكن ما يكون.»
قالها حاتم وهو يمسك بالحبل ويهم بالنزول وهالة تحاول منعه؛ ولكنه لم يلتفت إلى كلامها الذي تبدد في ظلمة هذه الحفرة؛ يئست من أن يستجيب لها فصمتت مترقبة؛ وصل منتصف الحفرة تقريباً وذرات تراب قليلة تتساقط في فمه حتى جف حلقه، وما إن وضع قدمه على الحجر التالي حتى انكسر الحجر وارتطم بقدمه فهوى جسده وأفلتت صرخة متألمة منه حاول كبتها؛ لم تعد قدمه مستندة إلى الحجر وإنما صار معلقا في الحبل وحده؛ صرخت هالة وجذبت الحبل تلقائيا بشدة؛ لكنها لم تستطع جذبه للأعلى؛ فنادته بنبرة باكية:
«حاول أن تساعدني.. ارفع جسدك معي.»
«لا أستطيع قدمي تؤلمني جدا.»
لم يكد يُتم كلمته حتى فوجئ بحجر آخر انخلع من مكانه نتيجة حركة الحبل يميناً ويسارًا وهوى على يديه الممسكتين بالحبل فأفلتهما رغما عنه.
صرخت هالة وارتعبت بينما أطلق هو صرخة مكتومة فور أن استقر جسده في قاع الحفرة.
حاول التغلب على الألم الذي يشعر به ويكبته وهو يقول لها بصوت كله وجع:
«أنا بخير. لا تقلقي.»
وقفت لا تعرف ماذا تفعل، ولا تعرف أُتصدق كلامه الذي يحاول طمأنتها به أم نبرته المتألمة، ولكن حيرتها لم تستمر طويلاً؛ إذ يبدو أنه لم يتحمل الألم أكثر من هذا ولم يعد قادراً على مقاومته فصرخ.
عاودت الصراخ تلقائيا بمجرد سماعها صرخته وهي تسأله في لهفة كلها فزع:
«حاتم! ماذا جرى لك؟ هل أنت بخير؟ حاتم!»
أدرك أنه أفزعها فحاول كبت ألمه وصدمته واصطنع كل ما يمكنه اصطناعه من هدوء مفتعل في هذا الموقف العصيب وأجابها بصوت أهـدأ من سابقه تخلله رغما عنه تألمه الشديد:
«بخير. أنا بخير؛ لكن!»
«لكن ماذا؟»
«لكن... لا شيء؛ فقط أشعر أنّ بجواري جسد إنسان لا يتحرك.»
حاول أن ينتقي ألفاظه قدر الإمكان حتى لا يثير فزعها أكثر؛ فلم يشأ أن يستخدم تلك الكلمة الواحدة التي تغنيه عن كل هذه الأوصاف: «جثة!»
ويبدو أن حذره هذا كان في محله وأنتج أثره؛ فبدلا من أن تصرخ سألته:
«ماذا تقصد؟»
سؤال استفهامي، حقيقي، مجازي، تقريري، إنكاري، توبيخي، تعجبي؛ المهم أنها لم تدرك بعد حقيقة ما قلته لها للتو؛ زوجها ملقى إلى جوار جثة في حفرة عميقة وقدمه لا تقوى على حمله؛ وهي تقف لتسأله ماذا تقصد؟ لقد نجحتُ في لفت انتباهها بعيداً عن المشكلة الحقيقية هذه المرة؛ أيضاً!
لم يُجب على سؤالها فالإفصاح عن تفاصيل أكثر سيضر ولن يفيد؛ فقط بدأ يتفحص الجثة المتيبسة الملقاة إلى جواره ويجسُّها بيده؛ لقد اعتاد أن يتعامل مع المومياوات التي ماتت منذ آلاف السنين، ولكن هذه هي المرة الأولى التي يتحول فيها إلى طبيب شرعي يتعامل مع مومياء حديثة الوفاة!
هذا ما ظنه في البداية؛ ولكنه بمزيد من الفحص اكتشف أن ما إلى جواره ليس إلا ذلك الكُـرَيْـك الذي كان يُستخدم في حفر هذه الحفرة وعليه سُترة من قام بحفرها.
تنفس الصعداء وسارع بإخبار هالة بهذا الخبر السعيد، صحيح هي لم تكن قد أدركت بعد حقيقة ما وجده لكنها شعرت بالاطمئنان لمجرد إحساسها بالفرح في صوته.
ظلّ يبحث في السترة عن أي شيء، أي شيء يكشف شخصية من قام بالحفر أو هدفه وبالفعل اهتدى إلى هاتف محمول في جيب السترة.
تمنّى لو أنه كان قد تمكن من النزول دون أن تصاب قدمه ليستطيع مواصلة الحفر على الفور؛ ولكنه اضطر تحت ضغط الألم الذي يشعر به أن يفكـر في طريقة للخروج سريعاً من هذا المكان الذي من المستحيل عليه أو على غيره مغادرته إلا بمعاونة أحد؛ ولكن هالة لن تستطيع أن ترفعه بواسطة الحبل مهما حاولت؛ من غير الممكن أن تجذب بذراعيها فقط ثمانية وسبعين كيلوجراماً؛ لا بد من حل آخر؛ تفتق ذهنه عن فكرة فخاطب هالة هاتفاً:
«هل الباب فيه أي جزء بارز؟»
«نعم؛ في المنتصف تقريبا وراء المقبض، كرة حديدية بحجم المقبض.»
«ممتاز، سأرخي لك الحبل قليلا لتقومي بجذبه وتمريره حول الكرة الحديدية حتى تتحول لتصبح كأنها بكرة يلف حولها الحبل وبعدها سأمسك جيدا في طرف الحبل وكل ما عليك هو أن تقومي بدفع الباب بجسدك كله وبكل قوتك.»
على الفور فعلت ما كلفها به؛ وبعد أن انتهت تمكن هو من لف جزء من الحبل حول خاصرته وعقده ثم رفع يديه للأعلى وتعلق بالحبل؛ بدأت تدفع الباب بكل جسدها تحولت الكرة الحديدية بالفعل إلى بكرة، نجح الأمر واستطاع أن يصل بيديه إلى حافة الحفرة بينما بقية جسده مازال في منتصف الحفرة أو فوقها بقليل وقد توقف الباب عند هذا الحد؛ أدرك أنه لم يحسب حساب قطر الدائرة التي يتحرك فيها الباب والتي لن تعادل طول الحفرة بالتأكيد، ولكنه تدارك الخطأ الفني الذي وقع فيه على كل حال وقال لها بصوت مشحون بالألم:
«سأتشبث بحافة الحفرة قليلا وبسرعة قومي بغلق الباب مرة أخرى وتقصير الحبل وأعيدي لفه حول الكرة الحديدية من مكان أقرب لكن بسرعة.»
نجحت في تنفيذ ما قاله حرفيا؛ ثم أخذت تدفع الباب بكل ما أوتيت من رغبة في إخراجه من هذه الحفرة، وبكل ما أوتيت من لوم لنفسها على تسببها في سقوطه فيها بتحليلاتها الكثيرة؛ أوشك على الخروج إلا أنه لم يحسب حساب خطأ فني آخر؛ لقد انخلعت الكرة الحديدية من مكانها بفعل ثقل وزنه وقوة دفعها للباب؛ ترنّح مرةً أخرى ولكن لحسن الحظ كانت إحدى قدميه وإحدى يديه خارج الحفرة فتركت هالة الباب مسرعة وانطلقت ناحيته وتشبثت به حتى عدّلت وضعه واستطاع الخروج بالكامل.