الومضة الثانية - [1]

من عمل: رواية حبس انفرادي كاملة

يـسـتـيـقـظ وعلى وجهه تبدو أمارات الإرهاق الشديد، ويبدو وكأنه لم يكن نائماً أو على الأقل لم يكن مرتاحاً، يتحرّك بتثاقل، يعبر الصالة في طريقه إلى المطبخ ليعد فنجان قهوته المفضل والذي يفضل أن يعده بنفسه لنفسه دائماً، أو هكذا تعوّد فكأنّه أحد الطقوس اليومية التي لا مـفـرّ منها.

تقع عيناه على بعض صُوَرِه المعلقة على الحائط في الصالة فيقف ويتأملها قليلاً؛ أغلبها وهو يتسلم جوائز؛ ثم تقع عيناه على شهادة الدكتوراه التي حصل عليها حديثاً من كلية الآثار، ثم ذلك المقال الذي اقتصه من إحدى كبريات الجرائد العلمية العالمية والذي يتناول بالدراسة كتابه ذائع الصيت «رحلة في أعماق الهرم»، ثم مقال آخر في مجلة علمية عالمية كذلك يتحدث باستفاضة عن الاكتشافات الكثيرة في مجال الآثار التي توصل إليها على الرغم من حداثة سنه؛ فهو مازال في الثلاثين من عمره.

يحتسي فنجان قهوته المعتاد وهو يتصفح بعض المواقع الإلكترونية بحثاً عن شاليه يقضي فيه شهر العسل؛ صحيح أن هذا شهر العسل تأخر لما بعد الزواج بعامين! ولكن «هــالة» تقدر مشاغله وأبحاثه على كل حال؛ أحضرت كوباً من القهوة هي أيضاً وجلست إلى جواره، راحا يفاضلان بين شرم الشيخ ومطروح والغردقة وفي النهاية وقع بصر «حـاتم» على منظر سلب لبه وقلب كيانه شاليه على شكل هرم.

عقد العزم على أن يقوم بحجزه فاعترضت هالة؛ لأنها تريد مكاناً يضج بالبشر لتشعر فيه بالحياة، حاولت إثناءه عن هذا الشاليه ذي الشكل الغريب، والذي يبدو في الصور وحيداً ليس حوله أي شاليه آخر.

نزل على رغبتها وعاد يبحث في مواقع أخرى عن مكان آخر، وكلّما دخل موقعاً وجد هذا الشاليه في الصدارة دائماً؛ وهو أول ما يظهر له في كل موقع، تكرر الأمر مراتٍ عديدة فتوقف عن البحث والتفت إليها ورفع يديه للأعلى ومطّ شفتيه كأنه يبرئ نفسه، ويتهم الشاليه بأنه هو الذي يفرض نفسه عليه، ثم حاول أن يقنعها بأنها ستستمتع بالهدوء فيه، وبأنه سيخفف عنها صخب الزحام الذي تعيش فيه كل يوم وضغوط الأصوات العالية، وهي فرصة جيدة للاستجمام.

وافقت على مضض، وبعد أن وعدها بأنه سيعوضها عن هذا في الرحلة القادمة والتي ستكون إلى المكان الذي ستختاره هي دون تدخل منه.

الـثــلاثـــــاء 8/8/2023م

استقلاّ سيارتهما الخاصة في الطريق إلى مطروح، وفور انطلاقه بالسيارة قالت هالة:

«أعرف أن ما دفعك لحجز هذا الشاليه هو شكله الهرمي فهل لي أن أعرف لماذا أنت مولع بالأهرامات إلى هذا الحد؟»

تأمّل حاتم الطريق أمامه قليلاً وبدا كأنه لم يسمع سؤالها وعندما يئست من أن يجيبها قال:

«الأهرامات! سـرّ اهتمامي بها كتاب قديم وجدته عند صديق لي والتراب يغطيه كأنه قد صار جزءًا من الكتاب نفسه؛ كان أشبه بخواطر الكاتب حول بعض الموضوعات، وأكثر ما لفت انتباهي فيه فقرة وقعت في منتصف الكتاب تقريباً، كانت تتحدث عن الأهرامات أحفظها جيدا.»

صمت برهة واقتنص نظرة إليها فوجد وجهها قد أشرق لمجرد الاستماع إلى حديثه؛ فابتسم وجعـل يـردد ما جاء في هذه الفقرة بصوتٍ رتيب ثابت كأنه يخرج من مذياع قديم:

«الأهرامات باقية منذ آلاف السنين؛ لماذا هي باقية؟ هل هي علامة على شيء؟ هل الذي حفظها إلى اليوم برغم الدهور أراد أن يبلغنا منها رسالة؟ هل أراد أن يقول: أيها الإنسان! أنا الخالق العظيم تركت لك هذه الأهرامات دليلاً على أنه في غابر الزمان كان هناك مــــن شيّـد هذا البناء؛ لم تره عينك، لم تلمسه يدك، لم تسمع صوته، ولا أبصرت هيئته؛ ولكنك متأكد أنه كان في هذا المكان يوماً ما. أيها الإنسان! أترى باني الأهرامات الآن؟ هل كُتب عليك أيها الإنسان أن ترى الآثار ولا ترى بانيها؟ أيها الإنسان! لقد علمت أن باني الأهرامات موجود من كتابات نُقشت على الجدران، ومن وجود هذه الآثار ذاتها؛ وكذلك أنا! كذلك أنا الخالق العظيم موجود؛ من آثار أفعالي ومن كتبي تعرفني.»

كانت هالة تستمع لكلّ كلمة بقلبها وعقلها في الوقت نفسه، ثم علّقت بقولها:

«لقد ربط الكاتب الأهرامات بالخالق.»

«وهذا هو ما جعلني أهتمّ بالحكمة من بقاء الأهرامات آلاف السنين أكثر من اهتمامي بالسبب الذي كان في ذهن بانيها.»

قطع كلامهما صوت فرملة شديدة، وكأنّ إطار السيارة يصرخ متألماً من احتكاكه الشديد بالأرض نتيجة التوقف المفاجئ للسيارة التي أمامهم؛ والتي نجح حاتم في تفادي الاصطدام بها في اللحظة الأخيرة والوقوف على جانب الطريق بعد أن تجاوزها بمسافة بسيطة.

نزل ليطمئنّ على من فيها، اقترب منهم ورائحـة تشبه الشياط تملأ المكان وعلامات الإطار المتآكل قد خلفت على الأسفلت وراء السيارة خطين متوازيين؛ وجد كل من في السيارة على ما يرام ولم يُصب منهم أحد بسوء، سألهم عما جرى فأخبره السائق بأنه تـــوهّـــم أن شخصا يمر أمامه فتوقف فجأة، ولكنه لم يجد أحدا؛ هــدّأ حاتم من روعه وطمأنه، فأدار السائق محرك سيارته ووقف حاتم ملوحاً بيده يودعه ويقول له:

«لا تنسى أن تفحص دورة الفرامل.»

شكرته عينا السائق وابتسامته على اهتمامه بهم، وانطلق حاتم عائداً إلى هالة مبتسماً وقال وهو يهم بالجلوس على المقعد إلى جوارها:

«حتى هذه الحادثة البسيطة تدل على الخالق يا هالة!»

ظهر التعجب على وجهها وهي تسأله:

«وكيف ذلك؟»

أجابها حاتم وهو يدير محرّك السيارة وينطلق بها:

«نظام الكون مُعقّد ومُحكم بدقة وهذا دليل على أن هناك من قام بتصميم هذا النظام وبرمجته وهو الخالق الذي أوجد الكل من العدم؛ ثم تأتي بعض الفوضى أو الأحداث المفاجئة المخالفة للنظام أو التوقعات أو القوانين الفيزيائية كدليل على أن هناك من هـــو فوق كل القوى يقهرها، ويتحكم في القوانين ولا تحكمه القوانين؛ فالنظام دليل على وجود الخالق، وبعض الفوضى دليل على وجود الرب القاهـر الذي يصرف الأمور كيف يشاء.»

ابتسمت هالة تلقائيا وهي تقول:

«لا أعرف إن كنت عالم آثار أم عالماً في الدين.»

ابتسم حاتم وهو يقول:

«لا فارق.»

ظــلاّ يتحاوران وقتاً ليس بالقليل حتى خلدت هالة إلى الـنـوم كعادتها عندما تستقل أي سيارة؛ وهي عادة قديمة اكتسبتها منذ أيام الجامعة، كانت لا تنام ليلا ولا يحلو لها النوم إلا في سيارة الميكروباص وهي في طريقها إلى الجامعة؛ التي تخرجت منها بعد أن حصلت على درجة الليسانس من كلية «الألسن» ثم عملت بعد تخرجها مرشدة سياحية؛ وهكذا التقت بحاتم.

أوشك النهار أن ينزوي، نظر حاتم ناحية الشمس وهي تغيب عن ناظريه كأنها تلوح له بأياديها مودعة إيّاه؛ تـَـفكّر فيها كثيراً؛ ما الذي يجعل هذا النجم الكبير القابع على بعد ملايين الكيلومترات من الأرض يُـسـخّـر بعضاً من طاقته لإضاءة كوكب كالأرض؟ بل لماذا يبثّ أشعته إلى الأرض ليؤمّــن الحياة عليها من خلال عملية التمثيل الضوئي؟ ترتيب عجيب! أن يوجد في الكون نجم يبث الضوء لكوكب، والأعجب أن يكون الكوكب الذي يصله الضوء بحاجة فعلية إلى هذا الضوء؛ فلو لم تكن الشمس كيف كانت الأرض تكون؟ لو حلّ الظلام الدائم على الأرض هل ستبقى كما هي؟ هل ستظل وطناً محبباً للإنسان؟ وهل كلّ هذا النظام موجود تلقائياً أم أنه موضوع لغرض؟

وبينما حاتم غارق في تأملاته وتساؤلاته إذ بدأ الظلام يحلّ في الأفق شيئا فشيئاً، ويزيح الشمس وضوءَها رويداً رويدا.ً

غابت الشمس وحاتم ما يزال مستغرقاً في التفكير العميق، وقد ازداد ضغط قدمه على دواسة البنزين تلقائياً دون أن يشعر، فزاد تسارع السيارة بشكلٍ كبير، وفجأةً اصطدمت السيارة بمطب صناعي، وقفزت للأعلى كفرس سباق يقفز فوق الحواجز؛ لم يصدر من حاتم أي ردة فعل؛ كأن المفاجأة أعجزته عن التصرف، لم يتمكن من أن يضغط المكابح، كما لم يتحكم بالمِقْوَد الذي فـرّ من بين يديه أو تخلّت عنه يداه رغماً عنه، استيقظت هالة مفزوعة تصرخ، مالت السيارة يميناً وهي في الهواء، وسقطت على أقصى حافة الإطارات ثم مالت يساراً كذلك وكادت تنقلب، وتكــرّر الأمــرُ مرتين حتى استقرت السيارة، واستمـرّ حاتم في السير كأنّ شيئا لم يكن غير عابئ بصرخات هالة التي ما خفتت إلا بعد أن اطمأنت أنهما ما يزالان على قيد الحياة، وفوجئ حاتم بمطب جديد فتجاوزه ببطء هذه المرة ثم نظر لأعلى فإذا به أمام بوابة تحصيل الرسوم.

بعد أن مـــرّ من البوابة قالت له هالة في حدة:

«أنا غير مرتاحة لهذه السفرية.»

نظر لها فرأى الهلع يسيطر على وجهها، والفزع يكاد يقفز من عينيها، أدار وجهه ناحية الطريق وهو يضغط بأسنانه على شفته السفلى ويفكر في الأمر فاستمرت تقول:

«هيا بنا نرجع.»

عاود النظر إليها وقد أطلقت شفـتُــه سراحَ أسنانه فبدأت تظهر ابتسامة خافتة تدريجياً، وظلت تكبر حتى بدت ملحوظة، فاحتدّت هالة أكثر وهي تقول:

«لماذا تضحك؟»

كان هدوؤه الظاهري يكاد يصيبها بالجنون، أجابها محاولا تهدئتها:

«لا أضحك يا هالة أنا فقط أحاول أن أبتسم؛ ما الذي حدث لتطلبي أن نرجع؟ فكري في الأمر جيداً.»

كأن مجرّد ردّه عليها قد هــدّأ من روعها قليلا، فأجابته بنبرة أهدأ من سابقتها:

«كدنا نموت مرتين وتسأل عن السبب؟»

قال لها مستنكراً:

«نموت!»

ثــمّ فكّر في أن هالة بطبيعتها تعطي الأمور أكبر من حجمها، وأنه اعتاد منها على التهويل في مواقف تافهة؛ ولكن هذه المرة معها بعض الحق في أن تخاف، فأوقف السيارة جانباً وأطفأ محركها، واستدار إليها وهو يقول في رفق:

«يا هالة! هذه الأمور تحدث كل يوم، فلا تربطي بينها وبين سفرنا، الموت يأتي في أي مكان وبأي سبب.»

ثم صمت برهةً وابتسم وهو يضيف:

«أعرف أنك تختلقين أسبابا لكي تهربي من هذه الرحلة التي لم تكن على هواك منذ البداية.»

حرّكت رأسها نفياً وهى تقول بعد أن هدأت:

«لا يا حاتم، أنت تعلم أنني وافقت على هذه الرحلة من أجلك، ولا يمكن أن أختلق أسباباً للعودة.»

فقال لها معاتباً برفق:

«إذن لماذا تريدين أن تحرميننا من الاستمتاع بهذه الرحلة؟ دعي عنك هذه الأفكار وابحثي عن المتعة فحسب، ثم ماذا لو عدنا وحدثت معنا في طريق العودة أحداث كهذه أو أكثر هل ستقولين نرجع لمواصلة رحلتنا مرة أخرى أم ماذا؟»

وقعت الجملة الأخيرة في نفس هالة كماءٍ بارد في جوف ظمآن، فتنهدت تنهيدةً طويلة ونـظـرت لحاتم بارتياح وقالت بتسليم:

«معك حق.»

كان ردُّها بمثابة الإذن له بمواصلة المسير فأدار محرك السيارة وتحرّك بها بسرعة كأنه يخاف أن ترجع في كلامها؛ بينما عادت هي لنومها كأنّها تلوذ به خوفا من أن يصيبها مكروه، أو كأنّها تفضل أن يحدث هذا المكروه وهي نائمة فربّما لا تشعر به أو ربما تفضل الــكــوابـيـــس الــمــفــزعة عـلى الــواقـع الــمـخــيــف.

اسـتـمـرّ حاتم في القيادة؛ ولكن بجسدٍ منهك من طول المسافة، ومن الضغط الذي واجهه طوال الطريق، ومن قلة النوم أو عدمه؛ فليلة السفر بالنسبة له دائماً ساحة صراع بينه وبين النوم فكأنّه يُطارد النوم والنوم يطْرُده، صار جسده يقود السيارة آلـيـاً بينما عقله في مرحلة ما بين اليقظة والمنام؛ أوشك على الوصول.

أخرج هاتفه وقام بالاتصال بالمهندس «خالد» مالك الشاليه؛ والذي رحّب به وهنّأه على سلامة الوصول ثم أخـبـره بـأنّه سـيـكـون فـي انتظاره، فطلب منه حاتم أن يرسل له موقع الشاليه على أحد تطبيقات الهاتف المحمول.

بدأ في تتبع المسار على الخريطة؛ وهو يستمع للصوت الآلي الممل الذي راح يوجهه:

«على بُعد مائة متر منعطف.»

«دوران للخلف.»

«انعطف ناحية اليمين قليلا.»

تعجب في نفسه من هذا الصوت الآلي الغريب فهو صوت فتاة غير مألوف بالنسبة إليه؛ استمر الصوت يوجهه إلى أن فوجئ بسرعة السيارة تتزايد بطريقة لا تتناسب مع قـوة ضغطه على دواسة البنزين، فتوقف عن الضغط على دواسة البنزين ورغم ذلك استمرت السيارة على سرعتها ليكتشف أنه في طريق منحدر وملتوٍ للغاية، ولولا أنه تدارك الأمر وضغط الفرامل ضغطات خفيفة متقطعة ليهدئ من اندفاع السيارة لسقطت السيارة بهما من هذا الارتفاع الشاهق؛ نظر للصوت الآلي نظرة لوم يعاتبه على أنه لم يخبره بهذه المفاجأة وبأن الطريق منحدر كأنه ينزل من أعلى قمة جبل؛ لم يفق من صدمته ومن خطورة الوضع الذي كان فيه إلا على قول الصوت الآلي:

«لقد وصلت إلى وجهتك.»

وقف حاتم بالسيارة حيث أخبره الصوت الآلي، وجد نفسه في طريقٍ موازٍ للبحر، بــدأ يتفحص المكان جيداً بعينيه بحثاً عن الشاليه أو أي شاليه فلم يجد شيئاً!

استيقظت هالة على صوت حاتم وهو يتعارك مع الصوت الآلي، ويتهمه بالتضليل وينعته بالفشل، سألته وهي تبتسم وعيناها نصف مغمضتين عن السبب فأجابها:

«انظري حولك وأنت تعرفين، لقد ضللنا الطريق والسبب هو هذا الشيء السخيف.»

قالها وهو يشير إلى شاشة الهاتف المحمول حيث تظهر الخريطة، فابتسمت أكثر وهي تقول له:

«وما ذنبه؟ تـأكّـد من مالك الشاليه مرة أخرى.»

عاود حاتم الاتصال بالمهندس خالد؛ بينما استغرقت هالة في الاستمتاع بنسيم البحر الذي يتلمس وجهها في حنان، وبينما هي مأخوذة بهذا الإحساس الممتع إذا بحاتم قد أنهى مكالمته وقال لها:

«لقد وصلنا بالفعل، هيا بنا.»

نظرت حولها ثم نظرت إليه ورددت النظر أكثر من مرة بينه وبين المكان حولهما وظهر التعجب واضحا على ملامح وجهها، فقال لها:

«لا تتعجبي لقد تأكدت أن هذا هو المكان، ولكن لا يمكن للسيارة أن تصل للشاليه، سوف نـوقفها هنا ونذهب للشاليه سيراً على الأقدام.»

تفهّمت هالة الأمر، وأخذت ما أمكنها من أشياء معها وتركت ما تبقى وهو الأكثر لحاتم، وسارا سوياً وأقدامهما تغوص في الرمال تحت ضوء القمر الخافت.

الشاليه ليس بعيدا عن الطريق ولكنه في الوقت نفسه لم يكن ظاهراً لهما في البداية، ربما بسبب الظلام الذي يطوقه من كل جانب وربما لم يكن ضوء القمر كافيا للكشف عنه.

وقفا على بُـعـد أمـتـار من الـشـاليه ينظران إليه بتفحص، ويتأملانه بتدقيق؛ ثم تبادلا نظرةً كلها شغف، وقطع صمتَهما صوتُ هالة:

«للمرة الثانية أقول لك معك حق.»

قالتها بصوتٍ ممتلئٍ بالحماسة، وبــدا عليها الإعجاب الشديد بالشاليه وبمظهره الأخّاذ من الخارج، وقفت تتأمله وتلوم نفسها على أنها كانت معترضةً عليه في البداية، وعلى أنها لم تدقق النظر في صورته جيدا حين عرضها عليها حاتم، وحدثتها نفسها بأنّها لو نظرت إليه جيداً حينها لأصرّت على أن تزوره وحده ولو من دون بحر؛ فهو شاليه يحتوي على كل مظاهر الفخامة والرقي، مشيد بطريقة فنية رائعة، ومصمم بأسلوب يوحي بعظمته وبذكاء وذوق بانيه العالي، ويوحي أيضاً بأنه من الممكن أن يكون لهذا المكان تاريخاً حتى ولو لم يُكتشف هذا بعد.

نظر إليها حاتم ورفع رأسه للأعلى وهو يقول مداعباً في غرورٍ مصطنع:

«أنا دائما معي حق.»

ثم ضحكا سوياً، وبدءا يخطوان تجاه الشاليه حتى وصلا إلى درجات سُلّم الشاليه؛ وكانت هذه الدرجات مضيئةً بضوء يتحوّل لونُه من البرتقالي إلى الأحمر ثم العكس؛ تعجب حاتم من هذا اللون وتساءل في نفسه عن مصدر هذا الضوء، فقلّب وجهه للأعلى فوجد مجموعة من المصابيح الملونة الموجهة الى درجات السلم مضفيةً عليه هذا الضوء المبهج الذي يتشكل بأشكال كثيرة، لفت انتباهه أنها مشابهة تماماً للثعبان والفأر والأسد المنحوتـيـن على أغلب أحجار الشاليه، مما أزاد إعجابه بالشاليه أكثر من ذي قبل.