الومضة الثانية - [2]
ضغط حاتم على زر الجرس المثبت على الجانب الأيمن من باب الشاليه، والذي كان مضيئاً بضوءٍ أحمر قانٍ.
فُـتِحَ البابُ تلقائياً فدخلا ووجدا المهندس خالد في انتظارهما ومعه زوجته وأولاده الثلاثة.
رحّب المهندس خالد بهما وعـرّفهما على زوجته وأبنائه بنبرة سريعة وشبه آلية أثارت تعجب حاتم ولكنه التمس له العذر فربما هو شخص عملي لا يحب أن يهدر وقته؛ نظر حاتم ناحية الأطفال الثلاثة الذين لم يتجاوز أكبرهم الثامنة من العمر؛ ابتسم لهم ابتسامة ودودة ولكنّ وجوههم ظلت عابسة أو حزينة بعض الشئ ولم يتكلّما بكلمة واحدة؛ حاول خالد تدارك الموقف فاستأذن ثم انصرف على وعـدٍ بلقاءٍ آخر بعد أن يرتاحا.
تَبِعهم حاتم إلى الباب يودّعهم بنظرة مملوءة بالاستغراب، ولكنه يتقبل تصرفاتهم على كل حال فهو مقتنع تماماً بأن اختلاف طبائع البشر أمـر حتمي وضروري؛ بينما اتجهت هالة إلى المطبخ فوراً بخطواتٍ متسارعة؛ كأنها في مسابقة عَـدْوٍ سريع مع الجوع الذي سيطر عليها.
أغلق حاتم الباب خلفهم وهوى بجسده على الأنتريه وتمـدد وأغلق عينيه لبعض الوقت، فلقد أُجهدت عيناه من القيادة كل هذه المسافة وبالأخص أثناء الليل لانخفاض الإضاءة على الطريق وشدة أضواء السيارات المقابلة التي كادت تصيبه بالعمى.
وما إن أغمض عينيه حتى برزت بـقـعـة ضــوءٍ لامعٍ متكتلة داخل جفونه وشـعُـر بسخونةٍ شديدة في عينيه؛ كأن عينيه تفرغان كل الضوء الذي تشرّبتا به طوال الطريق.
أفاق على صوت هالة وهي تدعوه لتناول الطعام، نهض مسرعاً؛ فعلى الرغم من الإرهاق والتعب الشديد؛ إلا أنه بادر بتلبية نداء العزيز الغالي؛ نداء معدة خاوية من أعماق جسدٍ مرهق.
قامت هالة بفرد مجموعة من ورق الجرائد التي أحضرتها من المطبخ ورصت الطعام فوقها على المنضدة وبدءا يتناولان الطعام، ثم أمسك حاتم بكوبٍ ممتلئٍ بالماء وأفرغه في جوفه، فرغ الكوب تماماً وحاتم ما يزال ممسكا به على فمه كأنّه يشرب، لا تسقط قطرةُ ماءٍ واحدةٍ في فمه، ورغم ذلك فهو مستمر على هذا الوضع، أصيبت هالة بالدهشة مما ترى.
دقّـقت هالة في وجهه فوجدته ينظر ناحية اليمين إلى الأسفل دون أن يرمش، خشيت أن تكون قد أصابته شرقة، نادته متسائلة في قلق:
«حاتم! ماذا بك؟!»
لم يُجبها فنهضت واقفةً وتحركت نحوه لتحاول إنقاذه؛ لكنه حرّك رأسه ناحيتها فاطمأنت قليلاً؛ ولكنّ رأسه عادت تلقائيا للاتجاه نفسه، ناحية اليمين إلى الأسفل، فتحوّل نظرُ هالة تلقائياً في هذا الاتجاه، فوجدته ينظر لخبر منشور في صفحة من الجريدة المفرودة على السفرة.
أمسكتها واقتلعتها من مكانها... قرأت ما فيها... امتقع وجهها.. ألقتها.. احتضنت حاتم.. صرخت!
اختفاء المهندس خالد عبد الرازق وزوجته وأبنائه الثلاثة في ظروف غامضة!
مرت ثوانٍ ثقيلة وهما على هذه الحال يحتضن كلٌّ منهما الآخر في خوف شديد، بـدأ حاتم يتفلّت من بين ذراعَيْها، وهي من شدّة الذعر لا تريد أن تُـفـلـتـه، لكنّه نجح في تجاوز ذراعيها بيديه، وأمال جسده ناحية اليمين للأسفل، والتقط قصاصة الجريدة التي انتزعتها هالة، كانت الصفحة الأولى من الجريدة؛ مجرد عنوان بلا أية تفاصيل والتفاصيل منوه عنها أنها في الصفحة الثامنة فسألها:
«أين وجدت ورق الجريدة هذه؟»
«في المطبخ.»
«هل يوجد غيرها؟»
«لا.»
أمسك كل ما طالته يده من ورق الجريدة على السفرة بحثاً عن أية تفاصيل أخرى، فلم يجد إلا أنه بالكاد تمكن من أن يقرأ الشهر الذي صدرت فيه «ديســــمـ...»!
قال في نفسه بلهجة استنتاجية وَجِــلَة:
«الجريدة صادرة في شهر ديسـمـبر ونحن الآن في شهر أغسطس! هذا لا يعني إلا أن هذا الخبر منشور في العام الماضي على الأقل أو في أي عام قبله.»
لقد صعقه تاريخ الخبر المنشور في الجريدة أكثر مما صعقه الخبر ذاته، انتفض واقفاً فانتبهت هالة لحركته المفاجئة فازدادت رعباً وألقت بنصفها الأعلى على الطاولة وأسندت رأسها على ظهر يدها وأغمضت عينيها لبرهة قصيرة كأنها تهرب من الواقع، ثم رفعت رأسها واستدارت إليه بتثاقل ونظرت إليه نظرة متحيرة تبثه سؤالاً مفاده:
«كيف هذا؟!»
أخذ حاتم يستجمع كل قواه، استخدم كل الأساليب التي تعلمها من كتب التنمية الذاتية للسيطرة على أحاسيسه وعواطفه والتي يستخدمها دائماً للتغلب على خوفه أو غضبه أو عصبيته، ضغط أصبعه السبابة بالإبهام محلقاً بهما دائرة، وظلّ ضاغطاً حتى فـرّ الدم هاربا من أصبعيه، هـــدأ قليلاً؛ أحسّ بأنه قد بدأ لتوّهِ يستعيد توازنه وسيطرته على نفسه.
جعل يُفكّر بماذا يجيب هالة، ثم عاد فقال لنفسه:
«ليس المهم أن أجيب هالة المهم أن أطمئنها.»
ثم مــّطّ شفتيه في حيرة.
«وأطمئن نفسي أيضاً.»
ثم تغيرت ملامحه إلى الحزم قليلا وهو يضيف:
«والأهم أن أفهم ما يجري.»
ثم رفع صوته قليلاً وهو يوجه كلامه إليها.
«هالة! لا ينبغي أن يسيطر علينا الخوف قبل أن نفهم ما يجري، أنتِ تعرفين جيداً أن ...»
قاطعته هالة بـصرامة وصوتها مختنق:
«حاتم!»
صمتت لحظة تبتلع ريقها فوجدت حلقها جافاً كأنه صحراء قاحلة، تبدلت لهجتها من الصرامة إلى الضعف الشديد وهي تضيف ببطء ونظرة الهلع لا تفارقها:
«أ نـ ــ ـا خـ ــ ـائـ ــ ــفـ ــ ـة ولا...»
قاطعها حاتم:
«ولا تفهمين شيئاً، أنا دائما أقرأ أفكارك يا هالة.»
قالها حاتم بابتسامة مكسوةً خوفا، ولكنّ مداعبته لم تكن في وقتها، لم تبتسم هالة فاستمر يقول وقد بــدا أكثر سيطرة من ذي قبل:
«ما الذي حدث يا هالة؟ لا شيء.»
ثم أضاف في نفسه دون أن تسمعه:
«حتى الآن على الأقل.»
وواصل حديثه لها.
«لم يحدث شيء. مجرد خـبـر غير حقيقي في جريدة غير مألوفة ليست كالجرائد التي نعرفها، انظري إلى تاريخ الخبر، هل قرأتِ تاريخ الخبر يا هالة؟ الخبر منشور العام الماضي تقريبا والمهندس خالد كان معنا منذ قليل.»
أصاب الذهول هالة؛ ولكنّه لم يحل محل خوفها بل انضم إليه فكادت تصرخ من جديد؛ إلا أن حاتم تدارك الأمر وتكلم بقوة وحزم وسرعة قائلا:
«هالة! هذه الجريدة أكيد غير حقيقية؛ تاريخها قديم ولا يمكن أن تكون حقيقية؛ الحقيقة الوحيدة هي أن المهندس خالد كان معنا للتوّ.. وهذه الجريدة مزيفة أو ليست موجودة.. أو ربّما كان مهندساً غير خالد الذي رأيناه.»
قاطعته معلنةً عدم اقتناعها.
«وزوجته وأبناؤه الثلاثة؟ هل هم غيرهم أيضاً؟»
أيقن حاتم أن الأمر ليس هـيّـناً كما صوّرت له أساليب السيطرة الذهنية التي استخدمها قبل قليل، فأفسح المجال لتفكيرٍ منطقيّ هداه إلى فكرةٍ فقال:
«سأتصل حالاً بالمهندس خالد، وسنرى!»
الهاتف الذي تحاول الاتصال به غير موجود بالخدمة، من فضلك تأكّد من الرقم الصحيح وعاود الاتصال!
أُسقط في يد حاتم فانهار جسدُه على الكرسي وألقى بذراعيه على الطاولة، ثم كــوّر كف يده وضغطه في عصبية وضرب به الطاولة ضربة موجعة فـأنّت كأنّها طفل رضيع، اخترق الصوت أذن حاتم مثلما أوجع قلب هالة الذي لا يتحمل بكاء طفل رضيع؛ رغم أنّها بلا أبناء حتى الآن.
مضت لحظة تألُّم هالة من صوت بكاء الطفل الرضيع على حاتم كألف عام، فلقد أدرك ما أغفلت عنه هالة عواطفـُها.
«لا أحد سوانا في الشاليه، فمن أين يأتي صوت الطفل؟!»
سؤال سمعته هالة فأدركت ما جرى للتو، شهقت وغزت الصدمة جسدها كله، فأحسّت بحرارة جسدها ترتفع ودقّات قلبها تتصارع كأنّ كلّ دقة تُسرع حتى تلطم الدقة التي تليها، أو كأنّ قلبها يريد أن يفــرّ هاربا من سجنه الأبدي قفصها الصدري.
أمّا حاتم فلم يكن عنده أي اختيار إلاّ أن يستسلم للأمر الواقع ويعترف بينه وبين نفسه بأنه قد أخطأ في حجز هذا الشاليه الغامض وأن هالة كانت محقة تماماً؛ لكن لم يعد هناك وقت للوم، وهالة لم تلُمْه؛ وهو يعلم أنها لن تلومه أبداً، فلم يَـعْـتـد منها ذلك؛ ولكنه رغماً عنه أحسّ بغزو التوتر لجسده عضواً فعضواً حتى بدأت رجلُه اليمنى تفـرّغ هذا التوتر باهتزازت متتالية لا إرادية كأنّها قد صُعقت بالكهرباء؛ ولكـنّه عاد فتمالك نفسه باستخدام أسلوب جديد من أساليب السيطرة الذهنية؛ وقام بتحليل الموقف سريعاً وفـنّـد كل احتمالاته، وبدا متحيراً وهو يقول لنفسه:
«لا بد أننا ارتكبنا خطأ جعل كل هذا يحدث، فما هو يا ترى؟»
عصر ذهنه مفكرا في كل الأسباب الممكنة.
«هل السبب هو دخولنا هذا الشاليه نفسه؟!»
وقف السؤال في حلقه فلا هو نزل إلى معدته وهضمه ولا هو صعد إلى عقله وتقبله؛ ورغم غرابة هذه السؤال إلا أنّهُ لم يجد بُـدّاً من البحث عن إجابته؛ ولكن عقله لم يَهْدِه إلى شيء فعاد يحدث نفسه قائلا:
«لقد تسببتُ في المأزق الذي نحن فيه الآن ولا بد أن أنهيه في أسرع وقت؛ ولكن لا مجال للخوف، فالخوف لن يخرجنا من هنا هو فقط سيمنعني من التفكير؛ لا بد أن أهـدأ أولاً.»
حدّث نفسه بهذا وقام بتهدئة نفسه على الفور حتى بــدا كأنّه ما اضطرب لحظة، وطـغى هدوؤه المفاجئ على سائر جسده فتوقفت قدماه عن الاهتزاز تلقائياً، وتبدّلت ملامحُ وجهه من الذعــر إلى السكينة، ومن العبوس إلى البسمة.
كادت هالة أن يصيبها الجنون وهي تخاطبه بصوت مرتفع وبلهجة شديدة لم يعتدها منها.
«ما بك؟ لماذا تبدو هكذا؟ لماذا تبتسم؟ ماذا تنتظر حتى تتأكد أننا في مكان غريب وخطير؟ هذا المكان؛ هذا المكان لم يكن مريحاً بالنسبة لي من البداية والآن أشعر أنه غير آمن، لا تقل لي لا تتشاءمي، أنا أعلم جيداً كل الأفكار الإيجابية التي يمكن أن تقولها لي، لا أريد كلاما من هذا، لا أريد تفاءلي تماسكي توقعي الأفضل، ما تفكرين فيه سيحدث لك، ما تركزين عليه ستجلبينه إليك، لا أريد كل هذا؛ إذا كنت أنت فعلت هذا ولذلك اطمأننت وجلست هادئا هكذا، فأنا أريد أن أقول لك إنها مجرد مسكنات، مسكنات وفقط؛ مشكلتنا لن تنتهي يا حاتم بالاعتقاد الإيجابي وحـده لا بد أن نفعل شيئاً، لا بد أن نغادر هذا المكان.. فوراً.»
قالتها وانطلقت ناحية باب الشاليه وهي تجتذب حاتم من يده عنوة حتى كادت تخلع كتفه.
وقـفـا أمام الباب محاولين فتحه بكل الطرق.
لم يُفتح ؛ وكل المحاولات لم تُفلح.
الباب مصنوع من الحديد؛ كأنه بوابة قصر عملاق.
أخذت هالة ترْكُل الباب بقدميها ويديها ثم بكتفها الأيمن مراتٍ عديدة، وتخلّلت صرخاتُها كلَّ ضربة والتي تليها حتى أنها لم تعد تميز إن كانت تصرخ من ألم الارتطام بباب حديدي أم من ألم الاحتجاز في هذا المكان الغريب؛ وكلّما أدركت عجزها عن فتحه صرخت أكثر، حتى فقدت الأمل فانهارت باكية وهي تستند بكتفها على الباب، وبدأت في السقوط للأسفل وكتفها يحتّك بالباب حتى جلست على الأرض وشعرت بألم شديد في كتفها نتيجة الضربات المتلاحقة التي وجهتها للباب؛ بينما وقف حاتم ثابتاً ومـدّ يـده وأوقفها وأسندها فمشت تجـرّ رجليها بصعوبة حتى وصلا إلى الأنتريه، فقالت وهي تجلس مرغمة بصوت أقرب للصراخ:
«لن أجلس! لن أجلس هنا أفكر بإيجابية وأنتظر حــتْـفي، لا بد أن نفعل شيئاً.. الأمر خطير.. خطير للغاية.. هذه ليست حادثة سيارة من التي تحدث كل يوم.»
ثم اكتست كلماتها المذعورة بنبرة غضبٍ ممتزجة بسخرية عاجزة وهي تضيف:
«نقابل شخصاً ونكتشف أنه مختفٍ منذ فترة، نسمعُ أنين طفل رضيع ولا أحد غيرنا هنا، وها هي قد اكتملت الباب لا يُفتح، هل تم احتجازنا هنا؟! هه؟ أجبني هل نحن محتجزون هنا؟!»
ثم خفت صوتها قليلا وتحوّل الى نبرةٍ بائسة وهي تقول:
«إننا في خطر؛ صدّقني؛ ولا تقل لي أن أهدأ، لن أهدأ إلا بعد أن أخرج من هذا المكان المخيف، لن أهدأ إلا بعد أن أعـود لبيتنا.»
لم يقاطع حاتم ثورة هالة بل تركها تفرغ كل ما لديها؛ ولكنه رفع رأسه عند كلمتها الأخيرة إذ قالتها وأمسكت يده وضغطت عليها بقوة كأنها تستنجد به، فنهض واقفا والإصرار يكسو ملامحه وهو يقول لها:
«سأبحث عن مخرج آخر.»
قالها وانطلق يجوب الشاليه في كل الاتجاهات بحثاً عن أي مخرج، يميناً ويساراً، صعوداً ونزولاً، أرادت هالة أن تلحق به لكن قواها خارت ولم تـقدر قدماها على حملها فجلست مستسلمة باكية منتظرة إلى أن فوجئت بحاتم يقف أمامها ويقول بإحباط شديد:
«للأسف لا يوجد أي مخرج، لا يوجد شباك واحد حتى في هذا الشاليه.»